الشنقيطي

441

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة : من كون العمل وإن كان مثقال ذرة من خير أو شرّ أتى به جلّ وعلا - أوضحه في غير هذا الموضع ، كقوله عن لقمان مقرّرا له : يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 16 ) [ لقمان : 16 ] ، وقوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 ) [ الزلزلة : 7 - 8 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقوله في هذه الآية الكريمة : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ جمع ميزان . وظاهر القرآن تعدد الموازين لكل شخص ، لقوله : فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ [ الأعراف : 8 ] ، وقوله : وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ [ الأعراف : 9 ] فظاهر القرآن يدلّ على أن للعامل الواحد موازين يوزن بكل واحد منها صنف من أعماله ، كما قال الشاعر : ملك تقوم الحادثات لعدله * فلكل حادثة لها ميزان والقاعدة المقررة في الأصول : أن ظاهر القرآن لا يجوز العدول عنه إلّا بدليل يجب الرجوع إليه . وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة : الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد ، وإنما جمع باعتبار تعدّد الأعمال الموزونة فيه . وقد قدّمنا في آخر سورة « الكهف » كلام العلماء في كيفيّة وزن الأعمال ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . وقوله في هذه الآية الْقِسْطَ أي العدل ، وهو مصدر ، وصف به ، ولذا لزم إفراده ، كما قال في الخلاصة : ونعتوا بمصدر كثيرا * فالتزموا الإفراد والتذكيرا كما قدّمناه مرارا . ومعلوم أنّ النعت بالمصدر يقول فيه بعض العلماء : إنّه المبالغة . وبعضهم يقول : هو بنيّة المضاف المحذوف ، فعلى الأوّل كأنّه بالغ في عدالة الموازين حتّى سمّاها القسط الذي هو العدل . وعلى الثاني فالمعنى : الموازين ذوات القسط . واللام في قوله لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فيها أوجه معروفة عند العلماء : ( منها ) أنها للتوقيت ، أي الدلالة على الوقت ، كقول العرب : جئت لخمس ليال بقين من الشهر ، ومنه قول نابغة ذبيان : توهمت آيات لها فعرفتها * لستة أعوام وذا العام سابع ( ومنها ) أنها لام كي ، أي نضع الموازين القسط لأجل يوم القيامة ، أي لحساب الناس فيه حسابا في غاية العدالة والإنصاف . ( ومنها ) أنها بمعنى في ، أي نضع الموازين القسط في يوم القيامة . والكوفيون يقولون : إن اللام تأتي بمعنى في ، ويقولون : إنّ من ذلك قوله تعالى :